جوامع الكلم
"بعثت بجوامع الكلم"1
اختصَّ الله خاتم النبيين صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين - بخصائص ومزايا لم يخصَّ بها أحدًا من إخوته قبلَه، ولا عجبَ في ذلك، فنُبوته هي الخاتمة، ورسالته هي الدائمة، وشريعته هي الخالدة، فكانت هذه المزايا والخصائص من أعلام نُبوته التي خُتِمت بها النُبوات والرسالات، ولم يَبقَ من آثارها إلا الرؤيا الصادقة التي أخبرنا أنها جزءٌ من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، فمن هذه الخصائص:
أن الله تعالى آتاه جوامع الكَلِم، فحديثه صلى الله عليه وسلم الفصل الجَزل البَيِّن، الذي لو عَدَّه العَاد لأحصاه، وقِيل: المراد بجوامع الكَلِم كتابُ الله تعالى، فقد بلغ في جمع المعاني وسمو المباني أشرف الغايات، وأكرم النهايات، ولا مانع من إرادة الكتاب والسنة جميعًا، فهما صِنوان لا يفترقان.
وذكر ابن حجر أنه يراد بها القرآن، فإنه تقع فيه المعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة، كقوله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان)،(ولكم فى القصاص حياة)،(والصلح خير)(وكلوا واشربوا ولا تسرفوا)وكذلك يقع في الأحاديث النبوية الكثير من ذلك، كقوله صلى الله عليه وسلم: "الأعمال بالنيات "و"الأعمال بالخواتيم "و"لا ضرر ولا ضرار "و"الدين النصيحة "و"الندم توبة"و"الدعاء هو العبادة".
وقال المناوي في فيض القدير: أعطيت جوامع الكلم أي ملكة أقتدر بها على إيجاز اللفظ مع سعة المعنى بنظم لطيف لا تعقيد فيه يعثر الفكر في طلبه ولا التواء يحار الذهن في فهمه، وقيل: أراد القرآن. وقيل: أراد أن الأمور الكثيرة التي كانت تكتب في الأمور المتقدمة جمعت له في الأمر الواحد والأمرين.
-----------
1-رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضى الله عنه مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
تعليقات
إرسال تعليق